آخر الأخبارمدونات ودراسات

استراتيجية التطويق الأميركي للصين…. تهديد أمنيّ وجيوسياسي متصاعد

تعتبر منطقة آسيا من المناطق ذات الأهمية الجيوسياسية لمختلف القوى، وعلى وجه الخصوص في العلاقات بين المنافسين (الصين والولايات المتحدة)، حيث أثارت الأحداث المتسارعة التي حصلت في مضيق تايوان مؤخراً مخاوف كبيرة لحلفاء واشنطن ( اليابان وتايوان)، في إطار مزاعم تلك الدول بنية بكين غزو تايوان، حيث سارعت الولايات المتحدة لإعلانها دعم تايوان في مواجهة الصين، في إطار استراتيجية تطويق واسعة، تهدف من خلالها واشنطن لكبح صعود الصين، و تصعيد التهديد الأمني-الجيوسياسي على حدودها.

وقد أكدت صحيفة ( فورين بوليسي) الأميركية في آب الماضي في تقرير لها، أن جيران الصين يؤيّدون بشدة سياسة إدارة بايدن في توجيه اهتمامها بشكل أكبر لمنطقة لمحيطين الهادئ والهندي، باعتبار بكين منافس استراتيجي لواشنطن تعمل على مواجهة هذا التحدي.

نهج أميركي جديد في المحيطين الهادئ والهندي

 

تهدف الولايات المتحدة إلى تحقيق هدفين أساسيين في تلك المنطقة على المدى المتوسط والبعيد:

الأول هو إعادة هيكلة العملية التجاريّة لدول المحيطين، بحيث يتم تقليل الاعتماد تدريجيّاً على الصين، أما الهدف الثاني فيكمن في منع فرض التفوق العسكري في منطقة آسيا الذي يميل نحو الهيمنة الصينية المتصاعدة.

وعلى المستوى التجاري تعمل الإدارة الأميركية على تقديم تسهيلات تجارية وجمركية لدول (الباسفيك)، وتعزيز اتفاقية الشراكة عبر الباسفيك من خلال حلفائها والتي تضم 11 دولة، وهذا يصب في نتيجته لهدف أميركي أساسي وهو إيقاف مشروع ( الحزام والطريق) الصيني، فضلاً عن دور واشنطن في منع وصول مشتقات الطاقة إلى الصين من المصادر البعيدة.

 

أما على المستوى السياسيّ والعسكري فقد وجّهت الولايات المتحدة العديد من الاتهامات تجاه بكين بأنها تحارب “الديمقراطية وحريّة” الشعب في تايوان، وتمارس عمليات “اضطهاد وقمع” في إقليم تشيجيانغ، كما دعمت واشنطن التظاهرات في هونغ كونغ، وتعمل من خلال إعلانها لحلف “أوكوس” إلى فرض تحالفات إقليميّة تحقق مصالحها وتهدد الصين.

في المقابل تعمل بكين على تنفيذ سياستها بما يخدم مصلحة البلاد العليا، بتشبيك علاقاتها مع دول وأطراف متعددة، فضلاً تنامي نفوذها المضطر في افريقيا و غرب آسيا، بدبلوماسية تقوم على تحقيق المصالح المشتركة واحترام إرادة الشعوب وتطلعاتها.

وعلى الصعيد الأمني الاستخباراتي، فقد جاء إعلان مدير وكالة الاستخبارات الأميركية (CIA ) وليام بيرنر الخميس الماضي إنشاء مركز المهام الصيني (CMC ) للتعامل بما وصفه مع ” التحدي العالمي الذي تمثله الصين” مضيفاً أنه سيتم دمج العمل السابق لجهاز الاستخبارات الأجنبية حول الصين مع الوحدة الجديدة، هذا يعكس في القراءة التوجه الحقيقي لإدارة بايدن بنقل الصراع إلى مناطق (الخارج القريب الصينية) من خلال أدوات غير تقليدية.

في المقابل تعمل الصين بدبلوماسية هادئة إلى إدارة الصراع مع الولايات المتحدة، دون أن يمس ذلك مصالحها الاستراتيجية، حيث أنه على الرغم من التوترات بين الطرفين و وفقاً لصحيفة ( الاندبندنت) البريطانية حققت معدلات التجارة وخاصة الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة نمواً قدره 36,9% خلال الأشهر السبعة الأولى من العام الحالي، وذلك نظراً لأن الولايات المتحدة تعتبر أكبر سوق استهلاكي للبضائع الصينية.

كما تعمل الصين على توسيع إنتاجها في ( الصناعات الذكية) وخاصة على مستوى تكنولوجيا “النانو” المستخدمة في صناعة معظم الأجهزة الالكترونية.

في المحصلة فأن تصاعد حدة التنافس بين القطبين الأول يسعى لإبقاء هيمنته على العالم، والثاني يهدف إلى الوصول لعالم متعدد القوى والقطبية، يسير بشكل متواتر ويتجه إلى تكريس كل المجالات الممكنة للتنافس والصراع لفرض كل قوة من القوى لأهدافها وتطلعاتها، ومما لا شك فيه بأن عالم اليوم ذاهب نحو إعادة هيكلة للتكتلات والنفوذ، ستنعكس على موازين القوى وآلية التعامل مع مختلف الملفات والتهديدات، بما فيها الصين التي لن تقف عاجزة أمام تهديد أمنها القومي.

 

عزيز موسى كاتب وباحث في الشؤون الدولية والأمنية

 

 

 
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق