مجتمع

الفقر والجوع والأزمات في الولايات المتحدة الأمريكية

يبدو أن انتشار الفقر والجوع في الولايات المتحدة الأمريكية، وعدم المساواة بين فئات الشعب المتفاوتة الدخل والمستوى المعيشي، أصبح أمراً واضحا في بعض المناحي داخل البلاد.

وساهم انتشار أزمة الفيروس التاجي في كشف الأوراق، بأن المردود الاقتصادي الحقيقي موجه نحو أهواء ومصالح الأغنياء لتنعم به، ويبقى الموت والدمار للطبقات الفقيرة تصارع به.

الحقيقة المستترة نوعا ما لأمريكا التي يُحكى أنها “العظمى” بنظر الكثيرين، هي أن الشعب الأمريكي يعيش في وقت وظروف وفي ظل نظام اقتصادي يقدر حياة السكان ويدعمهم وفقاً لقدرتهم على كسب الأموال وتحقيق الأرباح، ووفقاً للثروة التي يملكها كل منهم.

أرقام صادمة

حوالي 31 مليون شخص اليوم غير مؤمن عليهم بالضمان الصحي في الولايات المتحدة الأمريكية، و14 ولاية لم يتم تأمينها صحياً بموجب قانون الرعاية الصحية بأسعار معقولة.

ويبدو أن نظام الرعاية الصحية منظم بشكل خاص لأشخاص محددين ليقوم بخدمهم، وبطريقة أخرى يعمل لتحقيق أقصى قدر من الأرباح على حساب الملايين، وفق مبدأ من يدفع أكثر يحصل على عناية صحية أكثر.

وفي ظل انتشار الفيروس التاجي، يستيقظ العديد من الأمريكيين على العواقب المريرة والأضرار التي تحدث عندما لا يتمكن حتى شخص واحد من ذوات الدخل المحدود من تأمين الموارد والاحتياجات الضرورية من أجل البقاء على قيد الحياة، بالإضافة إلى وجود أكثر من 9000 عامل طبي غير محمي ومؤمن بشكل كاف من المرض، قد أصيبوا بالفعل به.

على مدى عقود، أفادت الأحزاب السياسية في أمريكا بأن المرض والتشرد والفقر وعدم المساواة هي انحرافات طفيفة في مجتمع سليم، والآن ومع احتمالية حدوث كساد اقتصادي تاريخي، فإن التأكيدات بأن الآليات الاقتصادية في الولايات المتحدة قوية بشكل أساسي، تظل شائعة.

على الرغم من أن إنتاجية هذا الاقتصاد قد زادت بالفعل بشكل لافت للنظر منذ السبعينيات، فقد ذهبت المكاسب منه إلى عدد صغير ومحدد من الناس والشركات، وما يؤكد ذلك أن الأجور الحقيقية والدخل بالنسبة لغالبية العمال كانت ضعيفة جداً، وهي تشكل مقدار شيء لا يذكر في ظل ذلك الازدهار الاقتصادي.

وتشير الدراسات إلى أن الأزمة الاقتصادية الأمريكية لم تظهر بسبب أزمة الفيروس التاجي، على سبيل المثال يشير انهيار صناعة النفط والغاز إلى نظام طاقة كان بالفعل على حافة الهاوية، ويتفق غالبية الاقتصاديين على أن تراجع التصنيع قد بدأ بالفعل في أغسطس/ آب 2019.

الأزمة واضحة

لم يعد من الممكن تجاهل الأزمة الهيكلية للفقر وعدم المساواة التي دمرت المجتمع الأمريكي خلال هذه العقود الماضية، وتكشف أرقام البطالة التاريخية في الفترات الأخيرة عن مدى الأزمة الحقيقية التي يعيشها غالبية السكان، يحدث هذا في الوقت الذي يقوم فيه العمال الذين يتقاضون أقل الأجور بالمهام الأساسية والأكثر أهمية لدعم الاقتصاد وتقويته.

ومن أجل الاستجابة للاحتياجات والمتطلبات المتزايدة للملايين ومساواة فئات الشعب كافة، من المهم أولاً الاعتراف والإطلاع على التاريخ العميق للظلم والألم والتمييز الذي سببته الولايات المتحدة الأمريكية لسكانها منذ سنين مضت.

ووصف الأمر بشكل جيد الزعيم الأمريكي ذو الأصول الإفريقية “مارتن لوثر كينغ الابن” الذي تم اغتياله في عام 1968، الناشط السياسي الإنساني وأحد المطالبين بإنهاء التمييز العنصري ضد السود، والحاصل على جائزة نوبل للسلام، عندما قال “وصفة العلاج تعتمد على تشخيص دقيق للمرض”.

هذا ما يعني أن الطريقة الأكثر جدوى لإيجاد حلول لآلام السكان وأوجاعهم، ومقترحات تنصف فئات الشعب كافة تلبي مطالبهم واحتياجاتهم، يحتاج لمعرفة دقيقة بتاريخ دولة، يشكل عدم المساواة والظلم لسكانها جوهر أساسي لها.

أعداد ليست بسيطة تحت خط الفقر

تشير البيانات إلى أن أكثر من 38 مليون شخصا يعيشون تحت مستوى خط الفقر الفيدرالي، وفي الحقيقة، كان من المفترض أن تصدم هذه الأرقام الجهات المعنية، وتدفعها للعمل من أجل السيطرة على تلك الأزمة، خاصةً قبل أن تبدأ أزمة الفيروس التاجي.

لا يعيش جميع المواطنين الأمريكيين في منازل ريفية وشقق مريحة. كثير منهم يبات في الشوارع ، في الملاجئ والمقطورات والأحياء الفقيرة. هناك العديد من الأشخاص المشردين بين الأمريكيين الذين يعيشون تحت خط الفقر. المشردون في الولايات المتحدة المتشردون هم الأشخاص الأكثر ضعفاً في الولايات المتحدة. تجاوز عددهم 2.5 مليون ، معظمهم من الأطفال.

قبل عامين، تم إجراء مراجعة إحصائية كان هدفها تقييماً أكثر واقعية للفقر وعدم الاستقرار الاقتصادي في البلاد، وذلك باستخدام مقياس الفقر التكميلي الصادر عن مكتب تعداد الولايات المتحدة الأمريكية الذي يقيس من بين عدة أمور، دخل الأسرة بعد الضرائب والنفقات على الغذاء والملابس والسكن والمرافق العامة، وأفادت المراجعة أن هناك 140 مليون شخص على الأقل يصنف من بين الفقراء.

يبدو أن واقع الفقر يمتد عميقاً في كل مكان في هذا البلد، وأشارت الإحصاءات البيانية أنه من بين 140 مليون فقير في الولايات المتحدة، هناك 24 مليوناً منهم من السود و 38 مليوناً من اللاتينيين، و 8 ملايين من الأمريكيين الآسيويين، ومليوني نسمة من السكان الأصليين و 66 مليوناً من البيض، وهذه البيانات، من المرجح أنها ثابتة واحتمال ضئيل جداً بأن تكون قابلة للنقصان، ويبقى الخوف من تزايدها خاصةً في ظل هذه الظروف.

مشكلة الفقر وعدم المساواة أمر معهود عليه منذ سنين مضت في الولايات المتحدة الأمريكية، على سبيل المثال على مدى السنوات الخمسين الماضية، ارتفعت الإيجارات للمنازل بشكل يفوق دخل العامل في جميع أنحاء البلاد، ولم يكن هناك مقاطعة واحدة في أمريكا تمكن الشخص الذي يحصل على الحد الأدنى من الأجور أن يتحمل نفقات عائلته مع أجار شقة مكونة كحد أدنى من غرفتي نوم.

لذا فإن تردي الوضع المعيشي للسكان في الآونة الأخيرة ليس بالأمر المفاجئ، ويمكننا القول أنه في العقود القليلة الماضية أصبحت البطالة والفقر والتشرد أكثر عمقاً وانتشاراً في هذا المجتمع.

الحكومة تحول الثروة من الفقراء إلى الأغنياء

منذ أن بدأت الحكومة في تحويل الثروة من الفقراء إلى الأغنياء، تحت غطاء “الاقتصاد المتدهور” (ولكن في الواقع المتدفق)، تعرضت المؤسسات العامة الرئيسية والنقابات العمالية للهجوم، وتم تخصيص المزيد من الأموال لنظام الرعاية الصحية، وهدم المساكن العامة، واحتجاز شبكات المياه والصرف الصحي العامة كرهينة من قبل مديري الطوارئ، وفي ظل الظروف نفسها تم تسليم الوظائف الحكومية الأساسية للقطاع الخاص والسوق الحرة، وكانت النتيجة: تفاقم مستويات الفقر وعدم المساواة في هذا البلد.

وفي ظل أزمة الفيروس التاجي، قام بنك الاحتياطي الفيدرالي بضخ أموالاً بقيمة 1.5 تريليون دولار إلى الأسواق لدعم الشركات، وبعد أسابيع، قام أيضاً بتوجيه تريليونات أكثر في عمليات لإنقاذ أكبر الشركات والمستثمرين الذين تضرروا اقتصادياً في ظل انتشار الفيروس.

نظام الرعاية استبعد عشرات الملايين

وفي الوقت نفسه، تم استبعاد عشرات الملايين من الأمريكيين من قانون  CARES (قانون المساعدة في مكافحة الفيروسات التاجية والإغاثة والأمن الاقتصادي)، لم يحصل 48 بالمائة من القوى العاملة على إجازة مرضية مدفوعة الأجر، 27 مليون شخص غير مؤمن عليهم صحياً و 10 في المائة من المؤمن عليهم، لم يتمكنوا حتى من زيارة الطبيب إذ ليس لديهم ضمان للعلاج الطبي المجاني أو بأسعار معقولة، هذا بالإضافة إلى 11 مليون مهاجر وأطفالهم البالغ عددهم 5 ملايين لم يتلقوا أي مخصصات تعينهم في حال المرض والإصابة بالفيروس.

كذلك 3 ملايين من المستفيدين من برنامج المساعدة الغذائية التكميلية، لم يشهدوا  أي زيادة في مستحقاتهم في ظل الأزمة، واستهدفت أموال مساعدة المشردين حوالي 500000 شخص فقط، على الرغم من وجود 8-11 مليون شخص مشردين و غير آمنين في السكن.

مما يعني أنه يمكننا القول بأن الأزمات المزدوجة للوباء والفقر، كشفت بوضوح أكبر كيف يساعد الانحدار إلى الفقر على تدمير المجتمع الأمريكي من الداخل إلى الخارج، وهذا هو ببساطة واقع شعب يعيش في أمة تتباهى بعظمتها، بدون أجر معيشي مضمون أو حتى رعاية صحية شاملة.

 
الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق