مدونات ودراسات

بعد أخطر هجوم على أمريكا… هل أصبحت الهجمات السيبرانية بديلاً للحروب التقليدية؟

تعتبر الهجمات السيبرانية الدولية في وقتنا الراهن أحد أهم الأساليب والأدوات التي تستخدمها الدول والمنظمات للهجوم على أهداف تعتبرها عدوة لها.

شكل التطور التكنولوجي خلال القرن الحادي والعشرين نقلة نوعية في حياة الإنسان والدول وطريقة التعاطي مع الواقع، حيث بات العالم يعيش اليوم في ظل منظومة جديدة قوامها التواصل الإلكتروني عن بعد والاعتمادية شبه الكاملة على تقنيات الذكاء الصنعي وخاصة في الدول التي تتمتع بإمكانيات متقدمة  ومتميزة في المجال الرقمي والإلكتروني، وهذا زاد من مخاطر تعرّضها  لهجمات ممنهجة من قبل  احترافيين في هذا المجال هي ( الهجمات السيبرانية).

الحروب السيبرانية (Cyber warfare):

هي أحد أنماط الهجمات الإلكترونية والاستخدام العسكري للطاقة الكهرومغناطيسية للتحكم في مجال البنى الإلكترونية والاستخدام الكهرومغناطيسي للبيانات، كلما كانت الدول متقدمة تقنياً وتعتمد أكثر على الخدمات الإلكترونية في بناها و مؤسساتها كلما ازدادت مخاوفها من حدوث هجمات تمسها وتدمر تلك البنى بشكل أكبر، ومع تزايد التطور التكنولوجي البرمجي في الفضاء السيبراني زادت احتمالية تلك الهجمات مما يهدد الأمن القومي لتلك الدول في مختلف المستويات.

الهجمات السيبرانية على مؤسسات المدن
الهجمات السيبرانية على مؤسسات المدن

آثار مباشرة

تستهدف الهجمات السيبرانية بشكل أساسي البنى التحتية من شبكات الاتصال والمياه والكهرباء والسكك الحديدية وخطوط النقل، فضلاً عن استهداف منظومات العمل العسكري المتعلقة بمراكز التحكم بالأسلحة على اختلافها ( الصواريخ  الباليستية، الدفاعات الجوية وغيرها….) وتسريب المعلومات السريّة التي تتداولها شخصيات هامة ومؤثرة في الدول وتمتلك صناعة القرار كاختراق حسابات بريدها الإلكتروني وهواتفها المحمولة.

تتميز الهجمات السيبرانية بقدرتها على إلحاق الضرر في قطاعات حيوية وحساسة متعددة والتضليل المعلوماتي والقيام بأعمال تخريبية بأقل التكاليف و أوسع نطاق، كما يصعب معرفة الجهة المنفذّة للهجمات، وقد يقوم بها أفراد أو جماعات بتمويل وتخطيط من جهات أو دول بهدف إلحاق الضرر بالعدو، وعلى الرغم من أن هذه الهجمات غير دموية إلاّ أنها باتت تشكل بديلاً للحروب التقليدية نسبة لمساحة الضرر الذي يتم إلحاقه من حيث التكلفة والدقة و طبيعة الهدف الذي تمت مهاجمته.

العدو المجهول

تعتبر الحروب السيبرانية مواجهات خفيّة تخوضها الأطراف بين بعضها البعض، ومن أهم مميزاتها هي التعامل مع عدو مجهول على الرغم من أن هناك دولاً تتهم دولاً أخرى صراحة بالقيام بالهجوم الالكتروني.

ويعيش العالم اليوم جيلاً جديداً من الحروب البالغة الخطورة، والتي باتت تهدد بشكل مباشر الأمن القومي لكثير من الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي حيث تعرّضت للعديد من الهجمات الإلكترونية، والتي اتهمت بدورها دولاً مثل روسيا والصين بالوقوف خلف تلك الهجمات.

ويمكن أخذ الهجمات الأخيرة التي طالت الولايات المتحدة الأميركية كمثال واقعي على خطورتها والتهديدات الجديّة التي فرضتها، حيث نقل موقع بوليتيكو (politico) الأميركي عن مسؤولين في الإدارة الأميركية في شهر كانون الأول من العام الماضي أنه جرى اختراق الإدارة الوطنية للأمن النووي خلال الهجمات السيبرانية التي حصلت مؤكدين أن هنالك “قراصنة” اخترقوا شبكات الإدارة المسؤولة عن الترسانة النووية بهدف التجسس، كما قد حقق المخترقون تحكماً كاملاً ببعض منظومات الأسلحة التي تستخدمها الإدارة الأميركية، واعتُبر هذا الهجوم الأخطر في تاريخ الولايات المتحدة، كما أكدت وكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية الأميركية التابعة لوزارة الأمن الداخلي الأميركية أن الوكالات الحكومية وكيانات البنية التحتية الحيوية تعرّضت لاختراقات متكررة منذ آذار 2020، و أصدرت الوكالة الأمنية أوامر مباشرة بفصل أجهزتها عن برنامج “سولار ويندز” الذي تعرّض للاختراق وتستخدمه أكثر من 156 وكالة حكومية وشركة كبرى في الولايات المتحدة.

ومن جانب آخر أكد موقع بوليتيكو أن الهجوم ألحق ضرراً كبيراً بالهيئة الفيدرالية لتنظيم الطاقة وقد وجّهت كل من لجنة الرقابة والأمن الداخلي في الكونغرس لفتح تحقيق واسع في هذا النطاق، ومن جانب آخر أشارت شركة ” Zscaler” المتخصصة بمكافحة عمليات الخداع الإلكتروني أن منسوب تهديدات القرصنة بلغ (15%) شهرياً منذ بداية 2020 نتيجة لوباء كورونا، وتقدمت النسبة إلى (20%) مع بداية نيسان من ذات العام وفقاً لصحيفة “الاندبندنت” البريطانية، وأشارت عدة تقارير إلى أن تكلفة اختراق البيانات الواحدة تجاوزت 160 مليون دولار حيث سببت زيادة في حجم الإنفاق الكلي على الأمن المعلوماتي .

يمكن القول بأن الهجمات السييبرانية باتت تفرض واقعاً جديداً لجهة توازن القوى وتعاطي الدول مع بعضها وخاصة الدول العظمى، هذا بدوره أدى إلى حسابات توازن جديدة في ميزان القوى، وأدخل الدول في سباق تسليحي جديد من نوع آخر يمكن تسميته ( سباق التطوير السيبراني)، وفي ظل لجوء معظم الدول للعمل الإلكتروني وتطور هذا الحقل فأن ذلك سيؤدي إلى تنامي التهديدات الأمنية التي تواجه مختلف الأطراف مما يستدعي تبني استراتيجيات دفاعية جديدة في ظل هذا النوع من الحروب الجديدة.

الخبير عزيز موسى

 
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق