مدونات ودراسات

حرب تشرين التحريرية… دروسٌ تاريخيّة وردعٌ مستقبليّ

ثماتيةٌ وأربعون عاماً مضت على حرب تشرين التحريرية. والتي شكّلت علامةً فارقةً في تاريخ النزاع العربي – الصهيوني الخُمسيّ (أي حرب الخمسين عاماً). من النكبة عام 1948 وحتى حرب تشرين وما بعدها.

ولعلّ هذه العلامة الفارقة تُدلّل على عدة أمورٍ هامّةٍ تحمل في طيّاتها العديد من النتائج، سواء خلال الحرب التي أثبتت فعلاً قوة الجبهتين السورية والمصرية، أو ما بعدها. والذي أرهق الكيان الصهيوني من هَول ما رأى حيث كان يعتقد أنّه “الجيش الذي لا يُقهر” وأن السابقات من النزاع وإن كسب بعضها سيتسمرّ في كسب كل نزاع قادم.

ومن المهمِّ جدّاً أن تبقى هذه المحطة التاريخيّة ماثلة وبقوّة في أذهان الجيلِ العربيّ، المؤمن بتحرير أرضه من رجس المحتل ودنسه، وأرى أن ليس القويّ من يُقدم على الحرب ويخوضها، بل من يخطط إلى الدخول في رِحاها. وبالتالي حرب تشرين كانت وليدة إرادة عربيّة حرّة قررت خوض الحرب وخلقت مفهوماً جديداً، وهو: الانتقال من الدفاع الاستراتيجي إلى الهجوم الاستراتيجي، وهذا ما بدا واضحاً ويخطّه حبر التاريخ في صفحاته. حيث كان لا بُدّ من استعادةِ ما احتلّه العدوّ الصهيوني خلال نكسة حزيران عام ١٩٦٧، وهذا قرار إرادة صَلب والقدرة على اتخاذه قوة كبيرة وذكية، وأهم بُعدٍ حققته هو استعادة المجد العربيّ وبث روح التفاؤل بالمستقبل بعد أن استوطن النفوس لون الهزيمة الباهت.

حيث يمكن القول أن الإعداد لخوض الحرب بدأ منذ ما بعد الحركة التصحيحية عام 1970، وتجلّى ذلك في عقد اتفاقية عسكرية بين سورية ومصر في يوم 26/11/1973، والتي حددت أهداف الصراع المقبل وطرق قيادته، وما تلاه من مؤتمرات حضرها كبار القيادات العسكرية من البلدين والتي تضمنت إعداد القوات المسلّحة لتلقي المهام القتالية، ووضع الخطط العسكرية للبلدين من أجل خوض المعركة، ووضعت اللمسات الأخيرة لخطة الحرب قبل ثلاثة أيام من اندلاعها في 3 تشرين أوّل عام 1973، وحدد موعدها بأن تكون عند الساعة 14، أي الساعة 2 ظهراً.

 

ولا يسعنا أن نذكر مجريات أحداث الحرب بدقّة لأن هذا يحتاج إلى تبحّرٍ كبير فيها. إلا أن الطياريّن قد ربطوا أحزمة الاقلاع في السماء ليصبّوا نار طائراتهم على العدو، بعد أن تلقّوا الأوامر من الغرف العملياتيّة، ليشهد أول يوم للحرب مآثرَ تاريخية تترامى فيها طائرات العدو وتهوي على الأرض وكأنها أوراق خريفٍ متساقطة، وتصبّ المدافع من فوهاتها حممَ العزيمة المتعطّشةِ للتحرير .

وانطلاقاً من ذلك واستناداً لما سبق، وبما أن صوت قرع طبول الحرب كانَ مفاجئاً إلى قيادات كيان العدو الصهيوني إلى حدٍ ما، من المفيد أن نذكر في هذا المقال بعض الشهادات الأمنية والسياسية الصهيونية عندَ تلقّفها خبر نشوب الحرب.

حيث يذكر أنّ في “إسرائيل”، كان إيلي زيرا، مدير المخابرات العسكريّة ما يزال نائماً فقد كان صباح يوم الغفران، ويوم سبت، ويتذكر قائلاً ( رنّ جرس الهاتف في الساعة الرابعة صباحاً ونقلوا لي خبراً من مصدرٍ موثوق، مفاده: أن عميلاً على مستوى عالٍ قال إن الحرب ستنشب هذا المساء في الساعة ١٨).

ويقول: ( انفجرت مشادة عنيفة بين موشيه دايان، ورئيس الاركان دافيد اليعازر، لم يكن دايان يريد سوى تعبئة ثلاث فرق، أما اليعازر فكان يريد تعبئة عامة، وفي تلك الأثناء لم تتم تعبئة أحد، وانتهت المشادة إلى أن حسمت مائير الموقف وقررت التعبئة العامة).

عمّت المفاجئة “إسرائيل”، وتتذكر أمينة سر غولد مائير أول ردة فعل لها قائلة: ( حين تلقت غولدا نبأ الهجوم، بقيت تحت تأثير الصدمة. فقد وصل الجنرال ريهافام زيفي معاون رئيس الأركان الإسرائيلي وقال لها إنهم فاجؤونا وسراويلنا مخفضة) ( ولم تفهم المصطلح وبعد بضع ساعات سألتني ما هذا).

كما ويقول أحد الجنرالات العسكريين الصهاينة:

( كنت على مقود سيارتي الجيب. وكانت الساعة 1 ظهراً، وفجأة أبصرت طائرات، فتملّكتني الدهشة من أن تحلق الطائرات الاسرائيلية في يوم الغفران! ثم شاهدت أشياء ما تخرج من الطائرات. ولم أدرك أننا أصبحنا في حالة حرب إلا حين انفجر أحدها لدى وصوله إلى الأرض).

لتعرف المستقبل لا بد من تقييم الحاضر الذي يحمل مقومات الفشل والنجاح، ولا بد أن تعود للماضي لتعرف رصيدك، ورصيد سورية قوي وحقق انتصارات كبرى من تشرين التحرير إلى اليوم عند دحر أكبر مؤامرة كونية عاتية شهدها التاريخ الحديث، وبالتالي المستقبل بأيدي أصحاب الحق الأقوياء، وإن تمايزت الصفوف العربيّة، والتي برهنت التجارب أن تمايزها هو ضعفٌ للعربِ وقوة لحساب الأعداء، وامتزاج الدماء في تشرين والذي كسر هيبة الصهاينة الغُزاة خير شاهد تاريخيّ على أن عندما يجتمع العرب لا بُدّ وأن ينتصروا، وها نحن منذ تشرين نحقق انتصاراً تلو الانتصار وصولاً لإيجاد توازن تسلّح في المنطقة عبر دعم حركات المقاومة.

*الكاتب جعفر خضور

 
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق