آخر الأخبارمدونات ودراسات

صراع ناغورنو قره باغ…وتهديد الجيوبوليتيكا الروسية في مناطق “الخارج القريب”

في ظل التحولات الإقليمية و الدولية القائمة و بروز طموحات لدول عديدة تسعى جاهدة لتحقيق مكانة دولية متجاوزة دورها الإقليمي، يبرز هنا الصراع الآذربيجاني- الأرميني في ناغورنو قره باغ كأحد الملفات المستثمرة لتحقيق أهداف سياسية وهذا الصراع الذي يمتد لجذور تاريخية ليست بجديدة.

ناغورنو قره باغ والصراع الآذربيجاني- الأرميني

 

مع بدء الحرب في 27 أيلول الماضي، عمدت العديد من الدول للدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار، والعودة للتفاوض وفق مجموعة “مينسك”.

ولكن هذه الدعوات، بقيت في إطارها الدبلوماسي في حين اشتدت المعارك بين الطرفين وازدادت عنفاً، في حين أعلنت أذربيجان أنها لن توقف المعارك من جانبها قبل انسحاب القوات الأرمينية.

وحسب وصف باكو: ” أنه بعد حوالي 30 عاماً من احتلال أرمينيا للمنطقة لا يمكن إعادتها إلا بالقوة “، وهنا تبرز مفارقات تتجلى في النقاط التالية:

  • تشكل منطقة القوقاز أهمية جيوسياسية كبيرة بالنسبة للسياسة الخارجية الروسية والأمن القومي تحديداً، وتاريخياً عمدت الكثير من الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة وآخرها تركيا إلى تأجيج الصراعات في تلك المنطقة بما يحقق مكاسب سياسية و اقتصادية.
  • يبلغ عدد سكان أذربيجان 10 ملايين نسمة تقريباً بينما يبلغ عدد سكان أرمينيا 3 ملايين نسمة تقريباً وقد تم دعم الطرف الأذري وتحريضه مباشرة من قبل تركيا، حيث يشكل عداءها التاريخي لأرمينيا أحد المسببات الأساسية في هذا الدعم فضلاً عن هدفها بالضغط على موسكو.
  • سعي تركيا المتواصل لتأجيج الصراعات في عدد من دول العالم، بهدف تصدير أزماتها الداخلية أولأً ولتحقيق مكاسب اقتصادية و سياسية ثانياً.

موسكو و أنقرة

عند إعلان أردوغان استمرار القوات الأذرية في عملياتها حتى انسحاب أرمينيا، فهو بذلك يفتح الباب على مصراعيه لاستنزاف منطقة القوقاز، مرسلاً بذلك رسالة واضحة لروسيا بأن هذا الصراع سيأخذ طابعاً استمرارياً.

ومن جانب آخر، عملت روسيا و بدقة على تشبيك علاقاتها بشكل جيد مع دول القوقاز و آسيا الوسطى التي تعتبر مناطق (الخارج القريب الاستراتيجي) لموسكو، لما لها من أهمية على صعيد الأمن و الطاقة.

كما نجحت موسكو منذ تولي الرئيس بوتين منصب الرئاسة، في إبعاد أذربيجان عن الفلك الأميركي الذي عمل و مازال على الإخلال بالأمن القومي الروسي.

بالإضافة إلى أن الشركات النفطية الروسية الكبيرة، مثل ( غاز بروم، لوك أويل، ترانس نفت) تعمل مع نظيرتها الأذرية بعلاقات شراكة وثيقة.

فضلاً عن أن روسيا، هي بائع رئيس للأسلحة لأذربيجان وهذا يؤدي في حال الاندفاع الروسي للانحياز ليريفان فسيطيح بمكتسبات روسيا مع باكو.

نجح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، خلال محادثات موسكو الأخيرة بين آذربيجان و أرمينيا بعد 11 ساعة من المفاوضات للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في إقليم ناغورنو قره باغ.

وهذا من شأنه وضع قواعد للاشتباك ورعاية موسكو للتهدئة بين الطرفين، فضلاً عن قول الوزير لافروف ” أن روسيا لا تتفق مع تركيا بشأن إمكانية الحل العسكري للنزاع في قره باغ وبأن روسيا لم تصف يوماً تركيا بالحليف الاستراتيجي المقرب بل أنها شريك استراتيجي”.

وهذا يدل على إدانة روسيا للموقف التركي المحرّض والعدائي كما أن روسيا تضع اعتباراً جوهرياً لمسألة أنابيب الغاز الهامة في أذربيجان و مشاريع الطاقة.

حيث تمتلك 7 مليارات برميل من احتياطات النفط، إضافة لخط باكو- تبليسي النفطي الاستراتيجي بطول 1776 كم ويمتد من العاصمة الآذربيجانية باكو وحتى ميناء جيهان التركي ماراً في الأراضي الجورجية.

قيرغيزستان و “الثورة المزعومة”

 

ضمن السياق ذاته للأزمات والثورات المفتعلة يظهر مدى تشابك الملفات وتعدد العوامل في ارتباطها ببعضها بعضاً، حيث يمكن وضع ما يحدث في قيرغيزستان “بالثورة” في نطاقه الداخلي.

ولكن هذه العوامل الداخلية وحدها لا تفسر طبيعة الديناميات المحركة للصراع في آسيا الوسطى، خصوصاً أن العوامل الخارجية تبقى محركاً أساسياً للأزمات المستجدة في مناطق الخارج القريب الروسي.

الأسباب الداخلية تختصر بطبيعة الخلافات الانتخابية و التشكيك بنزاهتها و وجود تصفية للحسابات داخل النخبة الحاكمة والصراعات المناطقية والعشائرية التقليدية.

ومع تعدد الأسباب الداخلية للأزمة القرغيزية وتشعبها، إلا أنه لا يمكن تجاهل الدعم الخارجي لا سيما من قبل الولايات المتحدة، حيث أن قيرغيزستان من أفقر دول آسيا الوسطى وتعتبرها الولايات المتحدة كنقطة ارتكاز لإثارة النزاعات في تلك المنطقة والمس بالمصالح الاستراتيجية لروسيا.

وفي إطار تحقيق هدفها للوصول إلى تكامل أوراسي، والتي تسعى من خلاله روسيا إلى ربط تلك الاقتصاديات بالاقتصاد الروسي، إضافة إلى أهمية طريق الحرير الذي يهدف لإعادة توجيه التجارة الصينية- الأوروبية من الطرق البحرية و البرية التي يسيطر عليها الأسطول الأميركي.

وتهدف في المحصلة إلى جعل تلك المنطقة فناءاً خلفياً آمناً للحضور الصيني خلال مرحلة التوسع الجيوسياسي.

الخلاصة

مما سبق، يمكن القول أن طبيعة الصراع في منطقة قره باغ، والتحريض التركي والدعم اللوجستي المقدم لأذربيجان تأتي كإحدى وسائل الضغط التركية للاستثمار في عدة ملفات أبرزها (سورية وليبيا).

كما أن تركيا تسعى جاهدة لإحياء مشروع ” العثمانية الجديدة”، وبمجرد تواجد الجماعات الإسلاموية المتشددة في القوقاز هي بمثابة تهديد مباشر للأمن القومي الروسي،.

كما أن ما شجع أردوغان على موقفه هذا، هو عدم التشديد في التعاطي معه من قبل الاتحاد الأوروبي وخاصة في قمة بروكسل الأخيرة.

من جانب آخر، فإن روسيا تعمل بمبدأ “الموازنة بين الأطراف”، حيث يمكنها القيام بحسم الميدان لصالح يريفان، ولكن هذا سيكبدها خسارة باكو وأهميتها الجيوسياسية.

كما أن أي حرب قد تندلع في منطقة القوقاز، فهذا سيؤدي حكماً للغرق في مستنقع الاستنزاف ومحاربة الإرهاب كما أفغانستان وهذا ما تخشاه روسيا.

لذلك فإن خط التفاوض بين روسيا و تركيا بدءاً من سورية وليبيا وشرق المتوسط، وصولاً إلى القوقاز سيبقى مفتوحاً وفقاً لمعالجة كل ملف على حدى وبما يشكله من مكاسب و خسائر.

كما أن روسيا ستبقى ضامنة  لأمن القوقاز و آسيا الوسطى، ولن تسمح لقوى أجنبية و على رأسها الولايات المتحدة بالتدخل المباشر فيها مما سينعكس سلباً على صعود القوة الروسية ونفوذها وتحقيق حلمها بالتكامل الأوراسي.

الكاتب: الخبير عزيز موسى

 
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق