مدونات ودراسات

منظومة ثقافة المقاومة.. إرثٌ تاريخيّ، أم ضرورةٌ مرحليّة؟

 لا ثقافة دون معرفة، ولا معرفة دونَ وعيّ يؤدلجها ويضعها في قالبها الصحيح وفق قيمٍ اجتماعيّة وأخلاقية كانت أساس هذه المعرفة التي اكتسبها من مُحيطهِ واستوعبها وأدركها، وما يتفرّع عنها من قدرة لاستيعاب ما حولهِ ومنها أحداث التاريخ في الماضي والحاضر وما يؤسس للمستقبل، لينعكس ذلك سلوكاً و وممارسةً وفكراً.

ولا يفوتنا أنّ ننوهَ إلى أن هناك علاقة عضويّة بين التغيير الاجتماعي والتغيير الثقافي، واللذان يسببهما ما يستجدُّ من أحداث متعاقبة تلعبُ اليوم السياسات الغربية وبأداةٍ عربيّة، دوراً هاماً فيها وعلى وجه الخصوص لتنفيذ مخططات كل سياسة بما يتفق مع وجودها وعقليتها، وهذا أضحى بديهيّ لضرب ثقافات الشعوب وفق هذه السياسات ضمن أجندات جاهزة يُغطيها ستار التكنولوجيا والتطور والجيل الخامس، لنكون أمامَ مفترقي طُرق.

 الأول: هل ما أفرزته الأحداث يفتح المجال للمثاقفة بين الشعوب وهذا ما تفرضه ديناميّة الثقافة وعدم جمودها.

 أما الثاني: غزو ثقافي لم يُدرك لعدم وجود أرضية ثقافية، أو خلق بيئة تفاعليّة أثّرت على العقل وغيّبته عن أساسيات حياته.

ومن هذا المنطلق لا يُخفى على أحد أنّه لتضرب فرداً. ومن بعده أفراداً، فمجتمع، قوِّض ثقافته وفكره وأدّلجه بما يخدم سياستك ويقرّ بصحة ما تفعل وما تصبو إليه.

يلحّ الكيان الصهيوني اليوم وهو العدوّ الأول لدول وشعوب محور المقاومة على فرض ثقافته والتي أسماها (ثقافة السلام)، في محاولة واضحة الأهداف إلا لمن أغشت عيناه ظلاميّة فكره، لجعل نفسه جزء عضوي من نسيج المنطقة العام، وجعل ما هو غير طبيعي طبيعياً. عبر مشاريع خطيرة وكبيرة رسمها ووضع أدواتها، كان منها ما طفا على السطح وفق ما أسماه التطبيع، وهذا بالطبع وبرأيي هو تطبيع ثقافيّ قبل أن يكون سياسيّ، يُقنع من أقبل على ذلك بأن الكيان الصهيوني موجود وله حقّ على ما قام عليه وهو يمدّ يدَ العون والإعانة لكم، ليقلب مفهوم اعرف عدوّك لتنجح في مواجهته.. إلى امشي مع عدوك لتواجهه على حسابك أنت!.

واليوم ثقافة المقاومة، ووفق ما هو معروف علميّاً أن الثقافات مكتسبة وليست وراثية إلا أنها غدت موروثة لكل من تربّى وحمل في وعيهِ الحرّية ورفض الذل والتبعية وابتلاع الحقوق، تشكّل المدافع الحقيقي والمواجه الأوّل للعدو وحلفائه، ومصدرها هو اعتبار الصراع مع العدو صراع وجود لا صراع حدود، وسطور التاريخ التي تروي ملاحم الصراع معه خلال ٥٠ عاماً وتزيد، عدا عن تمايّز صفّه وخرج من دائرة الصراع مع الاحتلال ووقع في شباكه.

 وثقافة المقاومة وبما لا يقبل مجالاً للشك هي التي شكلت حاضن الانتصارات الكبيرة، وبالتالي لا يمكن أن نقول أنها لضرورة مرحليّة، بل إرث تاريخيّ، ولو كانت مرحليّة لتأثرت بعوامل مراحل الصّراع المتطورة وجثت على ركابها، إلا أنها تزايدت توهّجاً وتعددت أساليبها، مستغلة عوامل الضعف تارةً والقوة تارةً أخرى وسخّرتها لصالحها، فهي ثقافة جامعة لأي ثقافة تواجه العدو وفي مقدمتها المقاومة بالسلاح.

واستكمالها يفرض علينا أن نستمر في مواجهة كل ما يهددنا ويهدد تطلعنا نحو التحرير والتحرر، فهذه الثقافة اليوم هي التي يعمل العدو على ضربها وتشوييها والأمثلة كثيرة لضرب النسيج التعبوي والثقافي المُعدُّ للمواجهة والقتال. منها، حظر محتوى كل ما يتعلق فيها، واغتيال العقول التي تملك عوامل فناء العدوّ، وسيناريوهات الإقناع لتحويل الصراع إلى جذوة من رماد تتطاير مع أول هبّة ريح وتذري الغبار في العيون لتعمينا عن الحق والحقيقة.

ومنظومة هذه الثقافة تحتّم تطوير وترسيخ كل ما خلقته، فالشهادة هي عنوان هذه الثقافة، وحشد الرأي والكلمة الرافضة لكل ما هو عدو والمتبنية لكل ما هو مقاوم أحد مقوّمات هذه الثقافة التي ولّدها وعي الشعوب وإدراكها لخطورة ما يُحدق بها، وتفرض علينا الكثير من الالتزامات الرامية لإبقاء جذوة المقاومة مُتقدة وحامية تحرق كل توجّه يفكر في إخمادها.

 وفي قراءة حصيفة للتاريخ نجد أن محاولات تحويل ثقافة الحرب إلى ثقافة سلام وفق العقيدة الصهيونية والأمريكية،لا تزال مستمرّة (سلام مزعوم)، مما يضفي إلى إبقاء المخلوق اللقيط (إسرائيل) في قلب الوطن العربيّ عبر إيجاد المسوّغات الثقافية المُسهّلة لهذا الوجود، وبالعودة للتاريخ، ورد في ملتقى غرناطة في (٩ – ١٢ كانون أول ١٩٩٣)، والذي رعته منظمة اليونسكو، تحت شعار (لننتقل من ثقافة الحرب إلى ثقافة السلام)، من إجل إعطاء دفع لاتفاق (اوسلو) وإحداث انطلاقة في تنفيذ (التطبيع الثقافي)، أنّ أي سلام لا تقبله الثقافة ولا تسوّغه وتروّج له سيبقى محنّطاً في المكاتب الرسمية ومهدداً باستمرار، وقال حينها مدير اليونيسكو:

 “إن البعد الثقافي والأدبي والإنساني يتقدّم على ما سواه ومن دونه لا يدوم اتفاق سياسي أو اقتصادي، وإن التربية هي الوسيلة الناجعة لبناء السلام”.

وفي تفكّر فيما سبق نجد أن الثقافة هي الهدف وهي أداة تحقيق ما يريدون ويسعون إليه، وهذا كما ذكرنا يلقي على عاتقنا مهام جسام لتدمير هذه المشاريع، التي يتصدرها اليوم ما يعرف بالأدبيات السياسية الأمريكية ” الدبلوماسية الروحية” و “المسار الإبراهيمي”، وهدفها أيضاً هو الإقرار بأحقية اليهود حتى في التاريخ العربيّ وفي التراث مما يعطيهم الدفع المُشرّعن للوجود، فاليهود منذ توقيع اتفاق “كامب ديفيد”، يقولون: “أنهم من بنوا الأهرامات” !.

– نحو تعميق ثقافة المقاومة والوسائل:

– العناية بالمناهج الدراسية والتي تعزز الثقافة الوطنية والقومية.

– مقاطعة الكيان وكل ما يصدر عنه.

– تفنيد رواياته وفق أسس علمية.

– إحباط كل ما يسعى لإغفال الروايات المضادة لوجود الصهيونية.

– تعزيز ثقافة المقاومة، عبر الندوات والإعلام الذي يلعب دور كبير في ذلك.

– قراءة التاريخ بشكل صحيح ومعرفة الموقع منه.

– جسر الهوّة التي أوجدها الاحتلال في أماكنٍ ما، عبر بثه النزاع والتفرقة.

– المثاقفة الصحيحة، لمعرفة العدو ومجابهته دون التعارف عليه.

– حشد الكلمة والإعلام والرأي العام، الذي يشكل الهاجس النفسيّ لدى العدو.

تتعدد الثقافات وأصلها القيم إلا ما أوجده الاحتلال فهي ثقافة غطائها العصرنة وهدفها تثبيت أقدامه، وتبقى ثقافة المقاومة المنظومة القويّة في الصدّ والردّ والدفاعِ والمواجهة.

الكاتب: جعفر خضور

 
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق